سلسلة المعرفة

سلسلة المعرفة

أطلق تحول قطاع الرعاية الصحية ضمن رؤية السعودية 2030 موجة غير مسبوقة من الاستثمارات في البنية التحتية للخدمات اللوجستية الدوائية، من غرف التبريد ومراكز التوزيع إلى أساطيل النقل المراقبة حرارياً. إلا أن الأصل الأكثر تأثيراً في هذا التحول لا يمكن شراؤه أو التعاقد عليه، بل يجب بناؤه وتطويره. فالميزة التنافسية الأعمق والأكثر استدامة تكمن في الخبرات البشرية القادرة على تشغيل هذه البنية التحتية بأعلى درجات الدقة.

بلغ حجم سوق لوجستيات سلسلة التبريد في المملكة 11.5 مليار ريال سعودي في عام 2023، ومن المتوقع أن يواصل قطاع الرعاية الصحية نموه بصورة مطردة حتى عام 2033، مدفوعاً بارتفاع الطلب على المستحضرات الحيوية واللقاحات والعلاجات الخلوية والجينية المتقدمة.[1][2]

صيدلي يراجع طرود دوائية حساسة للحرارة على خط تبريد ناقل

غير أن هذا التوسع لم يواكبه نمو مماثل في أعداد الكفاءات المتخصصة اللازمة لاستدامته. وتشير التقارير إلى أن نحو 40% من الشركات في المملكة تواجه صعوبة في العثور على كوادر تمتلك المهارات المناسبة لتشغيل سلاسل التبريد.

وتتضاعف هذه التحديات مع متطلبات التوطين التي، رغم أهميتها في بناء القدرات الوطنية، تفرض ضغطاً إضافياً على سوق كفاءات يعاني أصلاً من محدودية المعروض.[3]

وتكمن دلالة ذلك في أن الخبرة التشغيلية المتخصصة في لوجستيات سلسلة التبريد عالية الحساسية تمثل بحد ذاتها شكلاً من أشكال السيادة الصحية، وهي أكثر رسوخاً واستدامة من مجرد امتلاك البنية التحتية. وعندما تُرسَّخ هذه الخبرات لدى الكفاءات الوطنية السعودية، فإنها تتحول إلى أصل وطني متنامٍ، بدلاً من أن تبقى خدمة تعاقدية قد تنقطع برحيل الخبرات الأجنبية.

وتقدم شراكة الصالحية مع الأكاديمية السعودية اللوجستية نموذجاً عملياً لكيفية ترجمة مؤسسات القطاع الخاص لهذه الرؤية إلى واقع.

إذ يتدرب الطلاب في مجموعة من التخصصات اللوجستية، ثم ينتقلون مباشرة إلى سوق العمل، بما يرسخ خبرات وطنية المنشأ داخل أكثر عمليات لوجستيات الرعاية الصحية تطلباً من الناحية التقنية في المملكة.

فجوة الكفاءات المتخصصة في سلسلة التبريد الدوائية بالمملكة

تتزايد أوجه النقص في القوى العاملة المتخصصة بلوجستيات سلسلة التبريد الدوائية، وهي فجوة موثقة آخذة في الاتساع. ولا تمثل المشكلة نقصاً عاماً في المواهب، بل فجوة تقنية محددة.

فلم تواكب برامج التدريب التقني والمهني وتيرة التحول الرقمي في القطاع، ما ترك المهنيين السعوديين دون تأهيل كافٍ في تحليل البيانات، واستكشاف أعطال إنترنت الأشياء وإصلاحها، وبروتوكولات التعامل مع المواد الخطرة، والتوثيق المتوافق مع ممارسات التوزيع الجيدة (GDP).[4] وتمثل كل واحدة من هذه المهارات كفاءة أساسية لا يمكن التنازل عنها لتشغيل سلاسل الإمداد الدوائية الحديثة.

وتبلغ حساسية هذا التحدي ذروتها في العلاجات المتقدمة. إذ يُقدَّر أن ما بين 40% و60% من جميع المنتجات الدوائية حول العالم تحتاج إلى خدمات لوجستية خاضعة للتحكم الحراري، وهي نسبة مرشحة للارتفاع مع تزايد حصة المستحضرات الحيوية والعلاجات الخلوية والجينية ضمن المنتجات قيد التطوير.[5]

قارورة متوهجة تحتوي على شريط حمض نووي، ترمز للوجستيات العلاج الخلوي والجيني

أما العلاجات الخلوية والجينية على وجه الخصوص، فيجب الحفاظ عليها ضمن ظروف تبريد فائقة الانخفاض ومحكومة بدقة طوال مراحل استخلاص الخلايا والنقل الدولي وإعادة إعطاء العلاج للمريض. ولذلك فإن أي انحراف بسيط عن البروتوكول قد يتحول إلى إخفاق سريري، لا مجرد تعثر تشغيلي.

وتزيد الطموحات التصنيعية للمملكة من حدة هذا الضغط. إذ تعمل شركة لايفيرا، المدعومة من صندوق الاستثمارات العامة، على توسيع الإنتاج المحلي للمستحضرات الحيوية، بما يشمل اللقاحات والإنسولين والعلاجات الخلوية والجينية.

ومع بناء المملكة لهذه القدرات الإنتاجية، يتحول غياب قدرة مماثلة في القوى العاملة من تحدٍ تشغيلي إلى عنق زجاجة استراتيجي. فالتصنيع المحلي واسع النطاق يتطلب خبرات لوجستية محلية على النطاق نفسه.[6]

ومن دون استثمار موازٍ في قدرات القوى العاملة، تخاطر المملكة ببناء بنية إنتاجية تتجاوز قدرتها على إيصال تلك العلاجات إلى المرضى بأمان وموثوقية.

عامل مستودع يتحقق من مقياس حرارة محمول يظهر قراءة -20.5 درجة في ممر تخزين بارد دوائي

وقد أدركت الصالحية هذه الفجوة مبكراً. ففي عام 2024، رسخت الشركة التزامها بمعالجة العجز في كفاءات سلاسل الإمداد بالمملكة من خلال توقيع اتفاقية شراكة لمدة عامين مع الأكاديمية السعودية اللوجستية لتدريب وتطوير 50 متدرباً من طلاب الأكاديمية، بما يوائم استراتيجية القوى العاملة لديها بصورة مباشرة مع المستهدفات الوطنية لرؤية السعودية 2030.

الخبرة التشغيلية أصل استراتيجي: نحو السيادة المعرفية

يمكن شراء مرافق التخزين البارد والأساطيل المبردة وأنظمة المراقبة القائمة على إنترنت الأشياء، أو التعاقد عليها أو تكرارها.

لكن ما لا يمكن تحصيله بالشراء وحده هو القدرة على اتخاذ القرار السليم لإدارة شحنة علاج خلوي أو جيني عبر سلسلة لوجستية معقدة تمتد عبر أنظمة تنظيمية متعددة. ولا تُبنى هذه القدرة إلا من خلال خبرة تشغيلية متكررة في مواقف عالية الحساسية، وفي ظل متطلبات امتثال صارمة.

حلزون مزدوج مضيء للحمض النووي يرمز إلى الدقة المطلوبة في لوجستيات العلاج الخلوي والجيني
غرفة تحكم الصالحية لمراقبة شبكة سلسلة التبريد

هذه الخبرة كثيفة من حيث الإجراءات، وتتطلب إلماماً متزامناً بلوائح الهيئة العامة للغذاء والدواء، ومعايير ممارسات التوزيع الجيدة، والأطر التنظيمية العابرة للحدود، ووثائق الامتثال الخاصة بسلسلة التبريد، إلى جانب القدرة على حل المشكلات فورياً عند حدوث أي انحراف.

وتوفر برامج الاعتماد أساساً مهماً، لكن هذه الكفاءات تُصقل في نهاية المطاف بالممارسة، لا بالشهادات وحدها.

ولهذا التمييز آثار مباشرة على الاستراتيجية الوطنية. فعندما تتركز الخبرات المتخصصة أساساً لدى كوادر وافدة أو متعاقدين أجانب، تبقى القدرة التشغيلية للمملكة مرهونة باستمرار تلك القوى العاملة.

أما حين تُرسَّخ الخبرة لدى الكفاءات الوطنية السعودية، فإن قيمتها تتراكم: تؤهل كل دفعة الدفعة التي تليها، وتتراكم المعرفة المؤسسية، ويبقى رأس المال الفكري للقطاع داخل المملكة.

ويعكس تأسيس الأكاديمية السعودية اللوجستية في عام 2021، ضمن الاستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجستية، إدراك الحكومة لهذه الفجوة.[7][8]

وتقدم الأكاديمية ثمانية تخصصات، من بينها إدارة سلاسل الإمداد وإدارة المستودعات، وقد صُممت برامجها بصورة واضحة لتهيئة المتدربين للتوظيف لدى الجهات الشريكة. وحتى اليوم، دربت مبادراتها أكثر من 1,200 مواطن سعودي وأسهمت في توظيفهم.

وفي عام 2022، أطلقت الأكاديمية برنامجاً للقيادات التنفيذية بالشراكة مع مركز ZLC ومعهد MIT، متضمناً أكثر من 90 ساعة من التدريب المكثف على أيدي خبراء دوليين.[9]

أحد أعضاء فريق الصالحية يقدم إحاطة للمتدربين بجانب وحدات التخزين البارد الدوائي
متدرب يقوم بمسح الباركود لطرد دوائي بجانب روبوت متنقل ذاتي القيادة في مركز التوزيع

ويشير ذلك إلى طموح يتجاوز بكثير إعداد الكوادر التشغيلية، ليمتد إلى بناء الجيل القادم من قادة قطاع الخدمات اللوجستية في المملكة.

وهنا يأتي الدور الذي لا غنى عنه لشركاء القطاع الخاص في تحويل هذا الطموح الوطني إلى قدرة تشغيلية حقيقية.

وتجسد شراكة الصالحية مع الأكاديمية هذا الدور على أرض الواقع. إذ يحصل المتدربون على خبرة عملية عبر مجالات سلسلة الإمداد، بما في ذلك التخطيط والمشتريات والشحن الدولي والتخليص الجمركي والتخزين والشؤون التنظيمية والتوصيل للميل الأخير. وينتقل أصحاب الأداء المتميز من البرامج المنظمة إلى أدوار تخصصية داخل كل مجال. وفي العام الأول من الشراكة وحده، انتقل أكثر من 10 متدربين إلى وظائف بدوام كامل لدى الصالحية، مع التخطيط لتوظيف المزيد ضمن الدفعة الثانية.

ترسيخ التميز المؤسسي: نموذج الصالحية لتنمية المواهب الوطنية

يتطلب سد هذه الفجوة في القوى العاملة أن تتجاوز مؤسسات القطاع الخاص حدود الامتثال، وأن تبني مسارات حقيقية لتطوير الخبرات.

ورغم التوسع الملحوظ في البنية الحكومية للتدريب، فإنها لا تغطي بعد أكثر كفاءات سلسلة التبريد الدوائية تخصصاً بالعمق الذي يحتاجه القطاع.

وقد اختارت الصالحية أن تضطلع بهذا الدور مباشرة، من خلال الاستثمار في تنمية منظمة للمواهب تحول طلاب الأكاديمية المدربين إلى متخصصين تشغيليين.

ويعكس نهج الصالحية التزاماً يتجاوز الامتثال التنظيمي. فقد صُممت شراكتها الممتدة لعامين مع الأكاديمية السعودية اللوجستية لاستيعاب 25 طالباً في كل دفعة سنوية عبر إدارات سلسلة الإمداد، مع تركيز مقصود على عمليات سلسلة التبريد.

ويحصل الطلاب الملحقون بفرق الشحن الدولي والتخليص الجمركي والنقل والتخزين والتوصيل على مشاركة عملية ومباشرة في الإدارة الفعلية للشحنات الحساسة للحرارة. ومنذ البداية، تُختبر المعرفة النظرية في ظروف تشغيلية حقيقية.

ويوفر مركز التوزيع الإقليمي (RDC) البيئة التشغيلية التي تمنح هذا التدريب قيمته الفعلية.

فمع أكثر من 30,000 موقع تخزين للطبالي، منها أكثر من 2,000 مخصصة لسلسلة التبريد، ونظام مركزي للمراقبة والامتثال، وتتبع لحظي لأسطول يعمل على مستوى المملكة، يعد المركز من أكثر المرافق تطوراً من نوعه في المملكة.

الواجهة الخارجية لمركز التوزيع الإقليمي التابع للصالحية تحت سماء زرقاء صافية
رافعة شوكية تنقل الطبالي عبر أرفف مستودع سلسلة التبريد في مركز التوزيع الإقليمي

وبالنسبة للمتدرب، لا يمثل هذا محاكاة صفية للخدمات اللوجستية الدوائية، بل ممارسة فعلية للعمل وفق معايير ممارسات التوزيع الجيدة وفي ظروف تشغيل حية. وهذا الاحتكاك المباشر بمتطلبات الامتثال الفعلية، بدلاً من الاكتفاء ببيئة محاكاة، هو ما يبني القدرة على اتخاذ القرار التي تتطلبها خبرة سلسلة التبريد.

وتمثل القدرة على إدارة لوجستيات العلاجات الخلوية والجينية قمة ما صُمم هذا التدريب لإنتاجه. إذ تدير الصالحية الخدمات اللوجستية المتكاملة لشحنات العلاجات الخلوية والجينية، وتنسق الرحلة كاملة من استخلاص خلايا المريض ونقلها للعلاج خارج المملكة، وصولاً إلى إعادتها وإعطاء العلاج للمريض. وتعد هذه من أكثر القدرات تطلباً من الناحية التقنية في قطاع الرعاية الصحية العالمي. كما يمثل تطوير كفاءات سعودية قادرة على تنفيذ هذه العملية بدقة إسهاماً مباشراً في السيادة الصحية طويلة الأمد للمملكة.

ولا ينفصل استثمار الصالحية في المواهب الوطنية السعودية عن هويتها بوصفها مؤسسة سعودية. ويتحقق طموحها في الإسهام بمسعى المملكة لتصبح ضمن أكبر عشر قوى لوجستية عالمياً، ليس فقط من خلال بناء بنية تحتية عالمية المستوى لسلسلة التبريد، بل أيضاً عبر تطوير الكفاءات السعودية التي تجعل هذه البنية تعمل بكفاءة.

ومع استمرار توسع قطاعي التصنيع الدوائي والتقنيات الحيوية في المملكة ضمن رؤية السعودية 2030،[10] سيزداد الطلب على هذا المستوى من الخبرة. ومتى ما بُنيت سلسلة المعرفة، فإنها تعزز نفسها بنفسها: فكل خبير يجري تطويره يصبح أساساً للجيل التالي من القيادات اللوجستية السعودية.


[1] https://www.tracedataresearch.com/industry-report/saudi-arabia-cold-chain-market

[2] https://www.imarcgroup.com/saudi-arabia-cold-chain-market

[3] https://www.mordorintelligence.com/industry-reports/saudi-arabia-chain-logistics-market

[4] https://www.tracedataresearch.com/industry-report/saudi-arabia-cold-chain-market

[5] https://themedicinemaker.com/issues/2026/articles/april/a-reliable-cold-chain-is-a-health-equity-issue/

[6] https://saudilogisticsconsulting.com/insights/articles/saudi-pharma-logistics-meets-cold-chain-test

[7] https://sla.edu.sa/about/

[8] https://ncsp.org.sa/en/lists/training-facilities/saudi-logistics-academy/

[9] https://sla.edu.sa/

[10] https://www.vision2030.gov.sa/en/explore/programs/health-sector-transformation-program

سلسلة المعرفة

سلسلة المعرفة

أطلق تحول قطاع الرعاية الصحية ضمن رؤية السعودية 2030 موجة غير مسبوقة من الاستثمارات في البنية التحتية للخدمات اللوجستية الدوائية، من غرف التبريد ومراكز التوزيع إلى أساطيل النقل المراقبة حرارياً. إلا أن الأصل الأكثر تأثيراً في هذا التحول لا يمكن شراؤه أو التعاقد عليه، بل يجب بناؤه وتطويره. فالميزة التنافسية الأعمق والأكثر استدامة تكمن في الخبرات البشرية القادرة على تشغيل هذه البنية التحتية بأعلى درجات الدقة.

بلغ حجم سوق لوجستيات سلسلة التبريد في المملكة 11.5 مليار ريال سعودي في عام 2023، ومن المتوقع أن يواصل قطاع الرعاية الصحية نموه بصورة مطردة حتى عام 2033، مدفوعاً بارتفاع الطلب على المستحضرات الحيوية واللقاحات والعلاجات الخلوية والجينية المتقدمة.[1][2]

صيدلي يراجع طرود دوائية حساسة للحرارة على خط تبريد ناقل

غير أن هذا التوسع لم يواكبه نمو مماثل في أعداد الكفاءات المتخصصة اللازمة لاستدامته. وتشير التقارير إلى أن نحو 40% من الشركات في المملكة تواجه صعوبة في العثور على كوادر تمتلك المهارات المناسبة لتشغيل سلاسل التبريد.

وتتضاعف هذه التحديات مع متطلبات التوطين التي، رغم أهميتها في بناء القدرات الوطنية، تفرض ضغطاً إضافياً على سوق كفاءات يعاني أصلاً من محدودية المعروض.[3]

وتكمن دلالة ذلك في أن الخبرة التشغيلية المتخصصة في لوجستيات سلسلة التبريد عالية الحساسية تمثل بحد ذاتها شكلاً من أشكال السيادة الصحية، وهي أكثر رسوخاً واستدامة من مجرد امتلاك البنية التحتية. وعندما تُرسَّخ هذه الخبرات لدى الكفاءات الوطنية السعودية، فإنها تتحول إلى أصل وطني متنامٍ، بدلاً من أن تبقى خدمة تعاقدية قد تنقطع برحيل الخبرات الأجنبية.

وتقدم شراكة الصالحية مع الأكاديمية السعودية اللوجستية نموذجاً عملياً لكيفية ترجمة مؤسسات القطاع الخاص لهذه الرؤية إلى واقع.

إذ يتدرب الطلاب في مجموعة من التخصصات اللوجستية، ثم ينتقلون مباشرة إلى سوق العمل، بما يرسخ خبرات وطنية المنشأ داخل أكثر عمليات لوجستيات الرعاية الصحية تطلباً من الناحية التقنية في المملكة.

فجوة الكفاءات المتخصصة في سلسلة التبريد الدوائية بالمملكة

تتزايد أوجه النقص في القوى العاملة المتخصصة بلوجستيات سلسلة التبريد الدوائية، وهي فجوة موثقة آخذة في الاتساع. ولا تمثل المشكلة نقصاً عاماً في المواهب، بل فجوة تقنية محددة.

فلم تواكب برامج التدريب التقني والمهني وتيرة التحول الرقمي في القطاع، ما ترك المهنيين السعوديين دون تأهيل كافٍ في تحليل البيانات، واستكشاف أعطال إنترنت الأشياء وإصلاحها، وبروتوكولات التعامل مع المواد الخطرة، والتوثيق المتوافق مع ممارسات التوزيع الجيدة (GDP).[4] وتمثل كل واحدة من هذه المهارات كفاءة أساسية لا يمكن التنازل عنها لتشغيل سلاسل الإمداد الدوائية الحديثة.

وتبلغ حساسية هذا التحدي ذروتها في العلاجات المتقدمة. إذ يُقدَّر أن ما بين 40% و60% من جميع المنتجات الدوائية حول العالم تحتاج إلى خدمات لوجستية خاضعة للتحكم الحراري، وهي نسبة مرشحة للارتفاع مع تزايد حصة المستحضرات الحيوية والعلاجات الخلوية والجينية ضمن المنتجات قيد التطوير.[5]

قارورة متوهجة تحتوي على شريط حمض نووي، ترمز للوجستيات العلاج الخلوي والجيني

أما العلاجات الخلوية والجينية على وجه الخصوص، فيجب الحفاظ عليها ضمن ظروف تبريد فائقة الانخفاض ومحكومة بدقة طوال مراحل استخلاص الخلايا والنقل الدولي وإعادة إعطاء العلاج للمريض. ولذلك فإن أي انحراف بسيط عن البروتوكول قد يتحول إلى إخفاق سريري، لا مجرد تعثر تشغيلي.

وتزيد الطموحات التصنيعية للمملكة من حدة هذا الضغط. إذ تعمل شركة لايفيرا، المدعومة من صندوق الاستثمارات العامة، على توسيع الإنتاج المحلي للمستحضرات الحيوية، بما يشمل اللقاحات والإنسولين والعلاجات الخلوية والجينية.

ومع بناء المملكة لهذه القدرات الإنتاجية، يتحول غياب قدرة مماثلة في القوى العاملة من تحدٍ تشغيلي إلى عنق زجاجة استراتيجي. فالتصنيع المحلي واسع النطاق يتطلب خبرات لوجستية محلية على النطاق نفسه.[6]

ومن دون استثمار موازٍ في قدرات القوى العاملة، تخاطر المملكة ببناء بنية إنتاجية تتجاوز قدرتها على إيصال تلك العلاجات إلى المرضى بأمان وموثوقية.

عامل مستودع يتحقق من مقياس حرارة محمول يظهر قراءة -20.5 درجة في ممر تخزين بارد دوائي

وقد أدركت الصالحية هذه الفجوة مبكراً. ففي عام 2024، رسخت الشركة التزامها بمعالجة العجز في كفاءات سلاسل الإمداد بالمملكة من خلال توقيع اتفاقية شراكة لمدة عامين مع الأكاديمية السعودية اللوجستية لتدريب وتطوير 50 متدرباً من طلاب الأكاديمية، بما يوائم استراتيجية القوى العاملة لديها بصورة مباشرة مع المستهدفات الوطنية لرؤية السعودية 2030.

الخبرة التشغيلية أصل استراتيجي: نحو السيادة المعرفية

يمكن شراء مرافق التخزين البارد والأساطيل المبردة وأنظمة المراقبة القائمة على إنترنت الأشياء، أو التعاقد عليها أو تكرارها.

لكن ما لا يمكن تحصيله بالشراء وحده هو القدرة على اتخاذ القرار السليم لإدارة شحنة علاج خلوي أو جيني عبر سلسلة لوجستية معقدة تمتد عبر أنظمة تنظيمية متعددة. ولا تُبنى هذه القدرة إلا من خلال خبرة تشغيلية متكررة في مواقف عالية الحساسية، وفي ظل متطلبات امتثال صارمة.

حلزون مزدوج مضيء للحمض النووي يرمز إلى الدقة المطلوبة في لوجستيات العلاج الخلوي والجيني
غرفة تحكم الصالحية لمراقبة شبكة سلسلة التبريد

هذه الخبرة كثيفة من حيث الإجراءات، وتتطلب إلماماً متزامناً بلوائح الهيئة العامة للغذاء والدواء، ومعايير ممارسات التوزيع الجيدة، والأطر التنظيمية العابرة للحدود، ووثائق الامتثال الخاصة بسلسلة التبريد، إلى جانب القدرة على حل المشكلات فورياً عند حدوث أي انحراف.

وتوفر برامج الاعتماد أساساً مهماً، لكن هذه الكفاءات تُصقل في نهاية المطاف بالممارسة، لا بالشهادات وحدها.

ولهذا التمييز آثار مباشرة على الاستراتيجية الوطنية. فعندما تتركز الخبرات المتخصصة أساساً لدى كوادر وافدة أو متعاقدين أجانب، تبقى القدرة التشغيلية للمملكة مرهونة باستمرار تلك القوى العاملة.

أما حين تُرسَّخ الخبرة لدى الكفاءات الوطنية السعودية، فإن قيمتها تتراكم: تؤهل كل دفعة الدفعة التي تليها، وتتراكم المعرفة المؤسسية، ويبقى رأس المال الفكري للقطاع داخل المملكة.

ويعكس تأسيس الأكاديمية السعودية اللوجستية في عام 2021، ضمن الاستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجستية، إدراك الحكومة لهذه الفجوة.[7][8]

وتقدم الأكاديمية ثمانية تخصصات، من بينها إدارة سلاسل الإمداد وإدارة المستودعات، وقد صُممت برامجها بصورة واضحة لتهيئة المتدربين للتوظيف لدى الجهات الشريكة. وحتى اليوم، دربت مبادراتها أكثر من 1,200 مواطن سعودي وأسهمت في توظيفهم.

وفي عام 2022، أطلقت الأكاديمية برنامجاً للقيادات التنفيذية بالشراكة مع مركز ZLC ومعهد MIT، متضمناً أكثر من 90 ساعة من التدريب المكثف على أيدي خبراء دوليين.[9]

أحد أعضاء فريق الصالحية يقدم إحاطة للمتدربين بجانب وحدات التخزين البارد الدوائي
متدرب يقوم بمسح الباركود لطرد دوائي بجانب روبوت متنقل ذاتي القيادة في مركز التوزيع

ويشير ذلك إلى طموح يتجاوز بكثير إعداد الكوادر التشغيلية، ليمتد إلى بناء الجيل القادم من قادة قطاع الخدمات اللوجستية في المملكة.

وهنا يأتي الدور الذي لا غنى عنه لشركاء القطاع الخاص في تحويل هذا الطموح الوطني إلى قدرة تشغيلية حقيقية.

وتجسد شراكة الصالحية مع الأكاديمية هذا الدور على أرض الواقع. إذ يحصل المتدربون على خبرة عملية عبر مجالات سلسلة الإمداد، بما في ذلك التخطيط والمشتريات والشحن الدولي والتخليص الجمركي والتخزين والشؤون التنظيمية والتوصيل للميل الأخير. وينتقل أصحاب الأداء المتميز من البرامج المنظمة إلى أدوار تخصصية داخل كل مجال. وفي العام الأول من الشراكة وحده، انتقل أكثر من 10 متدربين إلى وظائف بدوام كامل لدى الصالحية، مع التخطيط لتوظيف المزيد ضمن الدفعة الثانية.

ترسيخ التميز المؤسسي: نموذج الصالحية لتنمية المواهب الوطنية

يتطلب سد هذه الفجوة في القوى العاملة أن تتجاوز مؤسسات القطاع الخاص حدود الامتثال، وأن تبني مسارات حقيقية لتطوير الخبرات.

ورغم التوسع الملحوظ في البنية الحكومية للتدريب، فإنها لا تغطي بعد أكثر كفاءات سلسلة التبريد الدوائية تخصصاً بالعمق الذي يحتاجه القطاع.

وقد اختارت الصالحية أن تضطلع بهذا الدور مباشرة، من خلال الاستثمار في تنمية منظمة للمواهب تحول طلاب الأكاديمية المدربين إلى متخصصين تشغيليين.

ويعكس نهج الصالحية التزاماً يتجاوز الامتثال التنظيمي. فقد صُممت شراكتها الممتدة لعامين مع الأكاديمية السعودية اللوجستية لاستيعاب 25 طالباً في كل دفعة سنوية عبر إدارات سلسلة الإمداد، مع تركيز مقصود على عمليات سلسلة التبريد.

ويحصل الطلاب الملحقون بفرق الشحن الدولي والتخليص الجمركي والنقل والتخزين والتوصيل على مشاركة عملية ومباشرة في الإدارة الفعلية للشحنات الحساسة للحرارة. ومنذ البداية، تُختبر المعرفة النظرية في ظروف تشغيلية حقيقية.

ويوفر مركز التوزيع الإقليمي (RDC) البيئة التشغيلية التي تمنح هذا التدريب قيمته الفعلية.

فمع أكثر من 30,000 موقع تخزين للطبالي، منها أكثر من 2,000 مخصصة لسلسلة التبريد، ونظام مركزي للمراقبة والامتثال، وتتبع لحظي لأسطول يعمل على مستوى المملكة، يعد المركز من أكثر المرافق تطوراً من نوعه في المملكة.

الواجهة الخارجية لمركز التوزيع الإقليمي التابع للصالحية تحت سماء زرقاء صافية
رافعة شوكية تنقل الطبالي عبر أرفف مستودع سلسلة التبريد في مركز التوزيع الإقليمي

وبالنسبة للمتدرب، لا يمثل هذا محاكاة صفية للخدمات اللوجستية الدوائية، بل ممارسة فعلية للعمل وفق معايير ممارسات التوزيع الجيدة وفي ظروف تشغيل حية. وهذا الاحتكاك المباشر بمتطلبات الامتثال الفعلية، بدلاً من الاكتفاء ببيئة محاكاة، هو ما يبني القدرة على اتخاذ القرار التي تتطلبها خبرة سلسلة التبريد.

وتمثل القدرة على إدارة لوجستيات العلاجات الخلوية والجينية قمة ما صُمم هذا التدريب لإنتاجه. إذ تدير الصالحية الخدمات اللوجستية المتكاملة لشحنات العلاجات الخلوية والجينية، وتنسق الرحلة كاملة من استخلاص خلايا المريض ونقلها للعلاج خارج المملكة، وصولاً إلى إعادتها وإعطاء العلاج للمريض. وتعد هذه من أكثر القدرات تطلباً من الناحية التقنية في قطاع الرعاية الصحية العالمي. كما يمثل تطوير كفاءات سعودية قادرة على تنفيذ هذه العملية بدقة إسهاماً مباشراً في السيادة الصحية طويلة الأمد للمملكة.

ولا ينفصل استثمار الصالحية في المواهب الوطنية السعودية عن هويتها بوصفها مؤسسة سعودية. ويتحقق طموحها في الإسهام بمسعى المملكة لتصبح ضمن أكبر عشر قوى لوجستية عالمياً، ليس فقط من خلال بناء بنية تحتية عالمية المستوى لسلسلة التبريد، بل أيضاً عبر تطوير الكفاءات السعودية التي تجعل هذه البنية تعمل بكفاءة.

ومع استمرار توسع قطاعي التصنيع الدوائي والتقنيات الحيوية في المملكة ضمن رؤية السعودية 2030،[10] سيزداد الطلب على هذا المستوى من الخبرة. ومتى ما بُنيت سلسلة المعرفة، فإنها تعزز نفسها بنفسها: فكل خبير يجري تطويره يصبح أساساً للجيل التالي من القيادات اللوجستية السعودية.


[1] https://www.tracedataresearch.com/industry-report/saudi-arabia-cold-chain-market

[2] https://www.imarcgroup.com/saudi-arabia-cold-chain-market

[3] https://www.mordorintelligence.com/industry-reports/saudi-arabia-chain-logistics-market

[4] https://www.tracedataresearch.com/industry-report/saudi-arabia-cold-chain-market

[5] https://themedicinemaker.com/issues/2026/articles/april/a-reliable-cold-chain-is-a-health-equity-issue/

[6] https://saudilogisticsconsulting.com/insights/articles/saudi-pharma-logistics-meets-cold-chain-test

[7] https://sla.edu.sa/about/

[8] https://ncsp.org.sa/en/lists/training-facilities/saudi-logistics-academy/

[9] https://sla.edu.sa/

[10] https://www.vision2030.gov.sa/en/explore/programs/health-sector-transformation-program